خاتمة قصة عبد النور
يمكن أن نجمل أهم النتائج التي خرجت بها هذه الدراسة فيما يأتي :
- إن عدم احتفال الجاحظ بالوصف المظهري للشخصية لم يكن خروجا عن المألوف، بل اتباعا له، فالسرد العربي القديم لا يركز على الوصف الخارجي للشخصية إلا إذا كانت له علاقة بموضوع القصة وإنما يركز على الوصف الداخلي والنفسي أكثر.
- يتسم الزمن في هذه القصة بتسلسل الأحداث وأفعال الشخصيات، وهو خاضع لمبدأ السببية .
- الزمن في القصة تحيل عليه أفعال وتعابير ذات أبعاد زمنية تقوم بالربط بين العناصر المتفرقة من السرد .
الزمن في هذه القصة ينمو بطريقة تجميعية ، وذلك راجع لثبات المكان وثبات الشخصية داخله دون تحكم في توزيع الزمن وتوزيع التنقلات وتوزيع للأحداث والأفعال.
- من مميزات السرد العربي القديم تنوّع فضاءاته . ففي هذه القصة توجد ثلاثة أنواع من الفضاءات:
+ فضاء صريح، وفضاء ضمني، وفضاء مجازي.
وبالنظر إلى علاقة الفضاء بالشخصيات يمكن تصنيفه كذلك إلى ثلاثة أصناف وهي:
+ فضاء الحالة، وفضاء الفعل، والفضاء الوسيط .
الفضاءات والأمكنة إما جنان وإما نيران بالمعنى المجازي ، وإما أماكن محايدة؛ وهي أماكن الغير التي تزورها الشخصية مؤقتا وتخرج منها، ولا تخرج من حيادها وتكتسب صفة مدحية (كونها كالجنة) أو صفة قدحية (كونها كالنار) إلا إذا أقام فيها المرء إقامة مستمرة.
انغلاق المكان مرتبط بانغلاق الشخصية، وانفتاحه من انفتاحها .
وظيفة الأمكنة في القصة تحدّدها علاقة الشخصية بها.
- يبنى السرد العربي القديم على عدد قليل من الأحداث الكبرى ، فقصة عبد النور قائمة على حدثين بارزين يشكلان ثنائية كبيرة، وهي ثنائية الاستخفاء والظهور.
وبينهما توجد مجموعة من الأحداث الصغرى، وهي أفعال تدرجت بالشخصية من الاستخفاء إلى الظهور .
من مميزات السرد العربي القديم التنويع في الرواة ، وهذه القصة يرويها أكثر من سارد ، يتسلم كل واحد منهم الرواية عن الآخر . وهكذا نلاحظ أن تغيير السارد بطريقة مفاجئة يقطع الرابط الذي كان يربطنا نفسيا بالسارد الأول، ويتدخل نفسيا بوضع حواجز حساسة بين ما قيل من قبل وما سيقال من بعد.
في التخييل كما في الواقع، المكان يشخّص دائما، فيمكن أن يكون مرغوبا فيه ، ويمكن أن يسبب المشاكل ، يمكن أن يكون مساعدا كما يمكن أن يكون عائقا.
العلاقة بين الشخصية والفضاء يمكن أن تحدد الشخصية، لأن طبيعة الفضاء والدور الذي يقوم به (وظيفته)، يتركان أثرهما في الشخصية .
الشخصية تبنى وتكوّن نفسيا حسب الفضاء الذي تقيم فيه أو تنتقل إليه، لأن المشاعر والأحاسيس التي تشعر بها الشخصية تختلف من مكان لآخر.
يقوم السرد العربي القديم ، ومنه هذه القصة ، على مجموعة من الثنائيات التي تتضاد فيما بينها، وفي الوقت نفسه تلقي الضوء على وضعية الشخصية الرئيسة إزاء الأزمة التي تعيشها، والأحوال التي تنتابها في ظل ذلك كله.
هذه الثنائيات ترتبط ارتباطا وثيقا بعلاقة الشخصية الرئيسة بنفسها وبغيرها من الشخصيات وبالواقع الذي تعيش فيه، أو وجدت نفسها فيه.
أهم هذه الثنائيات ثنائية الخوف والأمان في نفس عبد النور، وهي مرتبطة بثنائية الداخل والخارج؛ الداخل/المكان/المخبأ/الأمان، والخارج/المكان/الخوف .
توجد ثنائيات ضمنية في القصة أهمها : ثنائية الواقع والمثال، فالواقع هو الاستخفاء بجميع دلالاته وأهمها: الخوف والحذر والتكتم والذل.
والمثال هو الظهور مع السلامة والأمن والعيش الكريم والمكانة الاجتماعية السابقة والحرية والكرامة.
- يوجد حضور لهذه الثنائيات كذلك على المستوى التعبيري في هذا النص القصصي، منها الهجاء والمديح .
قراءة ممتعة .

